محمد دياب الإتليدي
57
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )
فساروا حتى وصلوا واسط فلما انتهوا قال لهم سعيد : يا معشر القوم قد تحرمت بكم وصحبتكم ولست أشك أن أجلي قد حضر وأن المدة قد انقضت ، فدعوني الليلة آخذ أهبة الموت وأستعد لمنكر ونكير وأذكر عذاب القبر وما يحثى علي من التراب ، فإذا أصبحتم فالميعاد بيني وبينكم المكان الذي تريدون . فقالوا لبعضهم : لا نريد ثراً بعد عين . وقال بعضهم : قد بلغتم أمنيتكم واستوجبتم جوائزكم من الأمير فلا تعجزوا عنه . فقال بعضهم : هو علي أدفعه إليكم إن شاء الله . فنظروا إلى سعيد فدمعت عيناه واغبر لونه ولم يأكل ولم يشرب ولم يضحك مذ لقوه . فقالوا بأجمعهم : يا خير أهل الأرض ، ليتنا لم نعرفك ولم نرسل إليك الويل لنا كيف ابتلينا ، ما عذرنا عند خالقنا يوم المحشر الأكبر والمجاوبة له ؟ وقال كفيله : أسألك يا سعيد بالله ألا ما زودتنا من دعائك وكلامك ، فأنا لا ألقى مثلك أبداً ؟ فدعا لهم سعيد ثم خلو سبيله ، فغسل رأسه ومدرعته وكساءه وهم مختفون في الليل كله ، فلما انكشف عمود الصبح جاءهم سعيد ابن جبير فقرع الباب فقالوا : صاحبكم ورب الكعبة ، فنزلوا إليه وبكوا معه طويلاً ، ثم ذهبوا به إلى الحجاج فدخل عليه المتلمس فسلم عليه وبشره بقدوم سعيد بن جبير . فلما مثل بين يديه قال : ما اسمك ؟ قال : سعيد بن جبير . قال : أنت شقي بن كسير ؟ قال : بل أمي كانت أعلم باسمي منك ؟ قال : شقيت أنت وشقيت أمك . قال : الغيب يعلمه غيرك . قال : لأبدلنك بالدنيا ناراً . قال : لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهاً . قال : فما قولك في محمد ؟ قال : نبي الرحمة . قال : فما قولك في علي ، أفي الجنة أم في النار ؟ قال : لو دخلتهما وعرفت أهلهما عرفت من فيهما . قال : فما قولك في الخلفاء ؟ قال : لست عليهم بوكيل . قال : فأيهم أحب إليك ؟ قال : أرضاهم لخالقي . قال : فأيهم أرضى للخالق ؟ قال : علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم . قال : فما بالك لا تضحك ؟ قال : أيضحك مخلوق خلق من الطين ، والطين تأكله النار .